تحويل الأفلام إلى روايات يعيدنا مرة أخرى إلى صفحات الروايات وتتحول شاشة السينما إلى مسرحًا للمقارنة بين مجرى أحداث الرواية ومجرى أحداث الفيلم.

يدور السباق دائمًا بين الفيلم والرواية. تُجرى المقارنات بينهما انقسامًا بين طول الرواية وثرائها بالأحداث والمواقف والزمن الكافي لرسم الشخصيات ونضوجها وصولًا إلى الصفحة الأخيرة، وبين الوقت الضئيل الذي يطوق سير الأحداث في الفيلم. لهذا السبب تحديدًا يُقابل الفيلم بالترقب والانتظار في معظم الأحيان مع الأسف لاصطياد أي خطأ في مقارنة غير عادلة بين صفحات الكتب ولقطات الكاميرا.

اليوم نتذكر أفلامًا مقتبسة من روايات عالمية لا تُنتقص قيمتها الفنية مقارنةً بالروايات التي ألهمت منفذيها. رغم إصرار البعض على عقد مقارنات غير عادلة بين شكلين مختلفين من أشكال الفن، هذا المقال متحيز للفن بكل أشكاله وبرؤية الحياة من منظور كل منهم بحثًا عن متعة القلب والروح والعقل. 


هذه الأفلام قادرة على اجتذاب المُشاهد سواء اطلع على الروايات أو لم يفعل، لأنها كُتبت جيدًا، منحت الشخصيات وجوهًا حقيقية، واستطاعت الوصول لشرائح أكبر من الجمهور الذي لا يُشترط أن يستمتع كله بقراءة الكتب.

 

افلام مقتبسة من روايات عالمية

 

١. فيلم قطار الليل إلى لشبونة

 

 

قطار الليل إلى لشبونة هي رواية ثرية بطلها “ريموند جريجورس”، بروفيسور يعيش في مدينة بيرن السويسرية، تتقاطع حياته المملة بصدفة عجيبة مع كِتاب يجعله يسقط في بحر البحث عن النفس الذي أثاره البرتغالي “أماديو دي برادو” قبل عقود. سواء في الفيلم أو الرواية، تنتصر قطار الليل إلى لشبونة لفكرة الكُتب التي تغير حياة الإنسان، وإن بدت فكرة رومانسية للبعض. صدرت رواية قطار الليل إلى لشبونة عام ٢٠٠٤ للكاتب “باسكال مرسييه”، وتحولت لفيلم سينمائي عام ٢٠١٣ من بطولة الإنجليزي “جيرمي أيرونز”.

 

فيما تقتحم الرواية دواخل النفس البشرية لطبيب برتغالي كان يحلم بأن يصير كاهنًا رغم إيمانه الروحي الذي لا يطابق الإيمان الكنسي وما فعله بروح البروفيسور السويسري. ينقلنا الفيلم من ضواحي بيرن سريعًا إلى الحياة البرتغالية في أوج عهد استبداد النظام السياسي في لشبونة لندخل عالم دي برادو الذي يبدو من الخارج مملًا وبلا نكهة. لكن الحقيقة هي أن شخصية دي برادو الذي قدمها الإنجليزي جاك هيوستن لا تبدو مملة على الإطلاق منذ البداية وتنقلًا بين أحداث الفيلم.

بين قراءة الكتاب وبين البحث عن الشخصيات التي عاصرت الطبيب وصائغ الكلمات أماديو تدب الحياة فجأة في البروفيسور الذي يكتشف ذاته من جديد كأنه كان بانتظار حجرًا يُلقى في بركة حياته الراكدة. ينتهي الفيلم بالبروفيسور الذي يظن أن أماديو ورفاقه عاشوا حياتهم بينما هو لم يفعل، لكنه يقابل أيضًا ما يجعله يتمسك بالحياة وينظر بامتنان لكل ما مر به. قطار الليل إلى لشبونة، فيلم يقتبس بتصرف من الرواية وقد نجح بصورة ما في التغلب على التعقيد الذي يشوب الكتاب بحثًا في أعماق نفس الإنسان و هذا الفيلم هو من أفضل الأفلام المقتبسة من روايات عالمية . 

 

٢. فيلم السيد ريبلي الموهوب

 

افلام مقتبسة من روايات عالمية

 

السيد ريبلي الموهوب أو The Talented Mr. Ripley بالإنجليزية هي رواية ممتعة للكاتبة الأمريكية الراحلة “باتريشيا هايسميث” صدرت عام ١٩٥٥ وتحولت إلى فيلم عام ١٩٩٩. مع تحول الرواية إلى فيلم سينمائي، وصفت جريدة ذا نيويوركر الفيلم كمحاولة فنية لإعادة إحياء عمل أروع كاتبة جريمة على الإطلاق.

 

الفيلم من بطولة الأمريكي “مات ديمون” و يلعب دور “توم ريبلي” الذي تساعده بِزة مستعارة و مقدرته على عزف البيانو في حفلة يحضرها ذوو الأصول الأرستقراطية إلى الانخراط في عالمهم الغريب. يقبل ريبلي صاحب المظهر البريء والنظارات الطبية عرض أحد رجال الأعمال للسفر إلى إيطاليا لإقناع ابنه “ديكي” بالعودة إلى الولايات المتحدة مقابل مبلغ مغري.

 

في إيطاليا يستطيع ريبلي التقرب من ديكي وتطوير صداقتهما رغم التبلد والقسوة التي ما يتعامل بها ديكي غالبًا. تقود طريقة ديكي في معاملة ريبلي والآخرين وأسلوب معيشته إلى تكشف جوانب أخرى في شخصية ريبلي. يفتح كل من الرواية والفيلم بابًا كبير أمام أسئلة ثقيلة تتعلق بدوافع توم ريبلي والإنسان عمومًا للإطاحة بكل ما يقف في طريقه. 

 

في سبيل إنقاذ نفسه من كل المآزق التي يقع فيها، يختار ريبلي بين حياته وحياة الآخرين حتى هؤلاء الذين شعر نحوهم بالألفة والحب. مما يجعلنا نتساءل بدورنا عن حقيقة مشاعرنا ومدى قدرتنا على فعل أي شيء من أجل تحقيق ما نريد فقط. فيلم السيد ريبلي الموهوب يرسم شخصية توم ريبلي بمهارة وينتهي كما بدأ بشكلٍ فتان.

 

اقرأ ايضاً قصة فيلم هيبتا ومقارنة بنه و بين الرواية.

 

٣. فيلم الحجرة

 

فيلم الغرفة

 

الحجرة Room هو فيلم صدر عام ٢٠١٥ مقتبس عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتبة “إيما دونوغيو” صاحبة الأصول الأيرلندية الكندية. الحجرة مكان ضيق للغاية في عالم الرواية والسينما الفسيح لكنه كل ما لدينا في كلٍ من الفيلم والرواية ويتضح لنا أنه كافيًا.

 

تعيش “جوي” صاحبة الأربع وعشرين عامًا مع طفلها “جاك” ذي الخمس سنوات في حجرة تحتوي على بعض أساسيات المعيشة ونافذة سقف وحيدة. لا تستقبل جوي سوى ضيف واحد في الحجرة بينما يختبئ جاك في الخزانة عند قدوم الضيف. 

 

نجح كل من الرواية والفيلم في عرض قصة قد يظن البعض أنها خيال خالص من إبداع المؤلفة لكن دونوغيو قد وضحت مسبقًا تأثرها بحالات احتجاز الفتيات لسنوات مصحوبة بالاعتداء عليهن والانجاب منهن. دفعت هذه القصص الحقيقة المؤلفة للكتابة عن شخصيتها، جوي، التي اختطفها زائرها الوحيد وأنجب منها جاك الصغير الذي تحاول بكل جهدها إقناعه بأن العالم ما هو إلا حجرتهما الصغيرة.

 

رغم الوقت القليل المتاح للفيلم مقابل صفحات الرواية الطويلة، ينجح فيلم الحجرة في إثارة مشاعر المُشاهد وأسئلته حول قدرة الإنسان على التأقلم عبر ما تعيشه جوي وابناها. ينتهي كل من الفيلم والرواية بدون تفسير واضح لتصرفات مُحتجز جوي الذي يبدو شديد التعقيد على قدر كونه شديد الوحشية. فيما يلعب فضول جاك دورًا محوريًا في انقلاب سير الأحداث دون أن يقصد وهو يحاول استكشاف العالم.

 

٤. فيلم بروكلين

 

فيلم بروكلين - افلام مقتبسة من روايات عالمية

 

فيلم مقتبس من رواية عالمية وهي رواية بروكلين للكاتب “كولم توبين” حيث تتقفي أثر فتاة إيرلندية يجذبها الحلم الأمريكي لتسافر بمساعدة شقيقتها إلى الولايات المتحدة، أرض الأحلام الموعودة بحثًا عن حياة أفضل. صدرت رواية بروكلين عام ٢٠٠٩ لتصبح أحد أبرز أعمال توبين وتحولت لفيلم عام ٢٠١٥ من بطولة “سيرشا رونان” ونجوم آخرين.

بعد رحلة بحرية مليئة بالمشقة في خمسينات القرن الماضي، تصل “إيليس” بطلة بروكلين إلى الأرض الموعودة، تحديدًا إلى مسكنها في بروكلين ووظيفة عليها التأقلم عليها وثقافة جديدة بانتظارها. تقمصت رونان الدور ببراعة لتنقل إلينا إيليس الأخت الصغرى، المسافرة الوحيدة، الفتاة الطموح، والمرأة التي نبتت من قلب الفتاة ضئيلة الخبرة.

في بروكلين يزداد طموح إيليس وتكثر الفرص في العمل وفي الحب حتى تصلها أخبار غير سارة من الوطن. في إيرلندا مجددًا تكتشف إيليس حياتها القديمة بشخصيتها الجديدة مما يغير كل شيء في عينها.

بروكلين هي رواية وفيلم يضعان المشاهد في حيرة من أمر إيليس والقرارات التي يجب عليها اتخاذها في مفترق الطرق الذي وضعتها فيه الحياة. الفيلم صارخ بالألوان بدايةً من جمال بطلته وحتى شوارع بروكلين في النهار وفي الليل مما يجذب المشاهد منذ الدقيقة الأولى وحتى الأخيرة. 

 

لم يقتصرالأمر فقط علي الأفلام العالمية فقط في اقتباسها من الروايات، حيث نجد أعمال عربية منها روايات تحولت لأفلام وحققت نجاحاً كبيراً في المجتمع.

 

 

أسماء البساطي
أسماء البساطي

نُشرت لي نصوص أدبية وغير أدبية في جريدة المقال مصر، أخبار الأدب، موقع الكتابة الثقافي، مصر المدنية، ومجلة كيكا. شاركت ككاتبة ومحررة متطوعة لصالح منصات ومبادرات حقوقية ونسوية إلكترونية في الفترة ما بين عامي 2015 و2017.

شارك

حمّل التطبيق

تحميل التطبيق

الرئيسية
حسابي
كتب
كُتاب
متجر