إن علاقة القارئ بالقراءة هي علاقة مقدسة مليئة بالشغف و الطقوس المميزة. هو يرى في تجربة القراءة حالة خاصة تأخذه إلى عالم مختلف حالم ومثالي بكل ما تحتويه من تفاصيل دقيقة وقواعد وضعها هو لذاته كي يستمتع بكل تفصيلة فيها. 

صدقني عزيزي لن تكون سعيداً إذا قمت باختراق هذا العالم المثالي والتجربة الفريدة لشخص شغوف بالقراءة وعلى علاقة وطيدة بصفحات الكتب. قد تظن أن تلك الأمور في ظاهرها عادية ولكن في الحقيقة هي من أكثر ما يستفز شخص قارئ فدعنا نرصدها لك هنا كي تحافظ بها على علاقة مريحة مع من حولك من محبي القراءة والمطالعة:

 

١- استعارة كتاب والمماطلة في اعادته أو التخريب فيه:

 

الكتاب لمحبي الكتب هو ليس فقط غلاف وعدد من الصفحات الورقية. إنه بمثابة طفله المدلل وواحد من أغلى ممتلكاته. ابتعاد الكتاب عن صاحبه واعارته لشخص ما هو مغامرة كبيرة يخوضها ولا يريد حقاً أن يتضرر من لطفه كونه سمح باستعارة أحد أهم أشيائه. عندما تستعير كتاب من شخص ما، فحاول أن تلتزم بالفترة الزمنية المحددة المتفق عليها بينكما دون مماطلة ودون التأخر في إعادته. هو ينظر لذلك الاتفاق  على أنه معاهدة مبرمة بينكما فحاول ألا تُخِّل ببند الزمن فيها. لذا فإن كان الاتفاق على مدة أسبوع، فلا تتأخر مثلاً حتى يمرّ شهر دون إعادة الكتاب.

ولا تندهش إن حاول أن يسألك عن حال الكتاب كل مرة يراك فيها خلال تلك المدة لأنه بالفعل يفتقده وربما انتابه شعور بالذنب لإعارة الكتاب وحاول أن يسترده مرة أخرى ولكن بالطبع فإن الاتفاق اتفاق.  كذلك احرص كل الحرص على أن يعود الكتاب بكامل هيئته دون خدوش او تمزيق أو أوراق مطوية، خاصة إذا كان صاحب الكتاب من محبي استعمال الفواصل ولا يحب ثني أطراف الصفحات. كذلك تأكد من عدم تظليل أية أجزاء في الكتاب أو الكتابة في الهوامش، وإن كنت ترغب في تدوين أية ملاحظات فقم بذلك في مفكرة أو ورقة منفصلة. 

 

 

٢- حرق أحداث الكتاب أو تفضيل الأفلام المأخوذة عن كتب على الكتاب ذاته:

 

عندما يدور حديث بينك وبين شخص آخر مُحِب للقراءة حول كتاب ما حاول أن يأخذ رأيك بخصوصه أو طالباً لتوصية عنه، فاحذر من التمادي بالحديث حتى تصل لمرحلة حرق الأحداث. هذا من شأنه أن يثير جنون محبي القراءة كونهم فقدوا متعة استكشاف الأحداث بأنفسهم. القراءة مع سابق معرفة بالأحداث لا طعم لها ولا بريق، وبذلك أنت أفسدت عليه الهدف الأساسي من قراءة الكتاب وهو اكتشاف أحداثه بنفسه.

وفي ذات السياق، فإن القارئ المُخلِص يجد في الكتاب وأوراقه وأحداثه وتفاصيله الجوهر الحقيقي للمتعة الأدبية والتشويق والإثارة، وهو مقتنع تماماً أن الفيلم المقتبس عن الرواية ما هو الا مجرد ٢٠% من الرواية و٨٠% أحداث بلا فائدة ولا علاقة لها بالكتاب من قريب ولا بعيد وأن الفيلم حقاً قد ظلم كل ذلك الإبداع الأدبي الذي ذخرت به الرواية وما هو إلا قشور وإبهار بصري فارغ المحتوى. وللأسف، أجمعت الغالبية العظمى من قرّاء الأعمال الأدبية التي تم تحويلها لأعمال فنية سواء كانت أفلام أو مسلسلات أو ما إلى ذلك، على أن معظم تلك الأعمال قد خيّب آمالهم بشكل كبير وابتعد عن سياق الرواية لخدمة العمل الفني نفسه. هذا بالطبع لا ينفي وجود أعمال فنية جيدة مقتبسة من الأدب.

 

 

٣- لا تقترح التوقف عن شراء المزيد من الكتب أو التخلص من الكتب القديمة:

 

محبي الكتب دائما بحاجة للمزيد حتى لو كانوا يمتلكون المئات منها. هم يطالعون أخبار الإصدارات الجديدة بكل حماس وعلى استعداد للتنقل من مكتبة لأخرى ومن معرض كتاب لآخر في سبيل الحصول على كل كتاب جديد باستطاعتهم أن يضيفوه إلى مجموعاتهم المفضلة. هو على استعداد أن يخصص ميزانية مستقلة لشراء كتبه وإثراء مكتبته، وميزانية أخرى للسفر لمعارض الكتب وحضور الندوات الأدبية وحفلات التوقيع لكتّابه المفضلين.

كذلك لا يستطيع القارئ الشغوف التضحية بأي من كتبه حتى لو كان يمتلكها منذ الصغر. ستجد لديه أعداد قديمة من سلسلة كان يتابعها بشغف في مراهقته، كتب قديمة توارثها عن عائلته وقريبة جدا لقلبه، نسخ من أول كتب قام بشرائها من ماله الخاص والكثير من تلك الكتب المهمة لديه حيث حصل فيها على إهداء خاص من الكاتب وتوقيعه الشخصي. تلك الكتب هي ملاذه الآمن ووجودها حوله يشعره بأمان وراحة كبيرة. إنه يعاود قراءتها بين الحين والآخر وله مع كل واحد منها ذكرى مميزة وفريدة.

 

 

٤- لا تطلب منه فعل شيء أو مهمة ما وقد اتخذ وضعية  القراءة:

 

لا تحاول أن تبدأ في طلب المهام من قارئ استعد بكل حماس لبدء قراءة كتابه. هو الآن في حالة مهيأة للاستمتاع مع رحلة بين صفحات كتابه المفضل ولا يهتم تماما لأمر تلك المهمة التي تطلبها منه، خاصة وأن بعض من القراء يكون قد استعد بمشروبه وإضاءته المريحة واتخذ وضعيته في كرسيه المفضل ولا يشعر حقاً بكل ما يدور من أحداث كونية خارج إطار تلك المساحة.

غالباً تلك هي الفترة التي استطاع أن يخطفها من بين ساعات اليوم المليئة بمسؤوليات مهمة، وضغوطات العمل، ومتطلبات كثيرة لا تنتهي في زحام يومه. هو الآن في معزل عن كل ما حوله وعقله متفرغ فقط للاستمتاع بفصل جديد في الكتاب سيبدأ بقراءته أو أن أحداث الرواية كانت قد تصاعدت بشكل مثير عند النقطة التي توقف فيها عن القراءة في المرة السابقة وهو حقاً لا يريد أن يفوِّت تلك الفرصة.

 

اذا كنت تفقد تركيزك بسهولة اقراء مقال كيف لا انسى ما قرأت للاستمتاع بقراءة عالية الجودة.

 

٥- لا تستخف بسهره في الليلة الماضية حتى طلوع النهار كي ينتهي من روايته الجديدة:

 

هو بالفعل كان في منتهى سعادته وهو ينتقل بين أحداث تحبس الأنفاس ولم يستطع أن يخلد للنوم قبل الانتهاء من قراءة الرواية. هو على الأقل يجد ذلك أكثر فائدة من السهر على التلفاز أو الهاتف لمتابعة كل تلك الاخبار المكررة مئات المرات.

 

لا يستطيع بعض القرّاء الخلود لنومهم دون الانتهاء من كتاب جذب اهتمامهم بشدة، وقد يغلبه النعاس ويتثاقل جفناه عشرات المرّات خلال القراءة، لكنه يفعل كل ما بوسعه ليظل مستيقظاً حتى انتهاء الكتاب. هو على استعداد تام أن يستيقظ بصداع في الرأس في اليوم التالي إذا توّجب عليه الاستيقاظ باكراً لعمل أو دراسة، ولكنه لا يتذمر من ذلك الألم. هو لا يقصد أبداً أن ينزوي في غرفته بالساعات بعيداً عن تجمع الأسرة ليلاً حتى ينام الجميع ثم يعاتبونه في الصباح على ما فعل. هو فقط تحت تأثير جرعة مكثفة من الأحداث الشيّقة التي استدعت ذلك السهر الطويل.

 

 

قد يرى البعض أن مثل هؤلاء غريبي الأطوار، ولا يستطيعون استيعاب فكرة أن مثل تلك الأشياء بالفعل تثير غضبهم وبشدة، لكن هذا هو الواقع الملموس. الكثير من القرّاء يتشاركون فيما بينهم العديد من الطبائع والطقوس المشتركة في محراب القراءة، وبينما هم يحاولون الحفاظ عليها والتمسك بها، فلن يكون من الغريب أن تضايقهم مثل تلك المواقف. 

تعرف ايضاً على: 15 هدية مبتكرة لعشاق الكتب والقراءة…

نهى عصام
نهى عصام

مواليد محافظة الإسكندرية
حاصلة على ليسانس في الأدب الإنجليزي من كلية الآداب جامعة الإسكندرية.
شغلت عدة وظائف بمكتبة الإسكندرية، الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، مؤسسة أنا ليند الأورومتوسطية للحوار بين الثقافات والبنك التجاري الدولي.
شغوفة بمطالعة الأعمال الأدبية العربية والعالمية والكتابة بمختلف أنواعها.

شارك

حمّل التطبيق

تحميل التطبيق

الرئيسية
حسابي
كتب
كُتاب
تحديات
متجر