“أنا أقرأ الكثير من الكتب، ولكن بمجرد الإنتهاء من الكتاب أشعر وكأني لا أتذكر حرفاً واحداً مما قرأت.”  تسالت و بحثت كثيراً كيف لا انسى ما قرأت؟ في واقع الأمر هذا هو حال الكثير من القراء. خصوصاً حين يتحدثون عن تجربة قراءة الكتب المعلوماتية، بينما تخف حدة أزمة النسيان مع الأعمال القصصية.

ربما يمكننا أن نعزي ذلك لحقيقة أن للعقل قدرة ممتازة على تذكر تفاصيل القصص الغنية بالأوصاف الحسية عن الأشخاص والأماكن والأحداث. 

ولكن ما السبب في هذا الأمر المحبط؟ تقرأ كتاباً غنياً بالمعلومات الشيقة، ثم تتركه على الطاولة أو في المكتبة لمدة يوم أو يومين، ثم يحدث أن تقرر الحديث عما قرأت وتعلمت، فتجد أنك قد نسيت جل ما قرأته إن لم يكن كله.

وقد يصدمك أن تعرف أن هناك دراسة أجريت خلصت إلى أن أي مادة علمية تتلقاها من كتاب أو أي مصدر آخر، فإنك تنسى ثمانين بالمئة منها بعد مرور أربع وعشرين ساعة، بل ويقد تنسى كل ما تلقيت أو قرأت بالكامل بعد مرور ستة أيام. أمر مستفز حقًا!  يُعرف هذا بما يطلق عليه “منحنى النسيان

يمكنك أيضا قراءة هذا المقال إذا كنت تجد صعوبة في حب القراءة كيف تحب القراءة؟

 

هل هناك حقائق علمية مثبتة في الكتب والأبحاث؟

 

نعم يوجد بعض الحقائق العلمية المثبتة. بدايةً يجب أن نعرف أن للعقل البشري قدرة هائلة على الاحتفاظ بكم هائل من المعلومات. قدرة تفوق أسرع الحواسيب الآلية وأكثرها تطورا.

ولكن كم ونوع المعلومات التي تبقى لأطول مدة في ذاكرة العقل البشري يتوقف على عدة عوامل من بينها آلية الإدخال، وظروف الإدخال، وحالة الذاكرة، ومدى التركيز والبعد عن المشتتات، والاستعداد الجسدي والذهني والنفسي لعملية تلقي المعلومات. 

بهذا نكون قد وضعنا أيدينا على المحاور الرئيسية التي يجب عليك تطويرها لتحصل على تجربة قراءة فعالة تمكنك أن تقول “انا لا انسى ماقرأت” بل وتحتفظ بالمعلومات التي تقرؤها لأطول فترة ممكنة للاستفادة منها وتطبيقها في حياتك الشخصية وعملك.

ولكي تطور القاعدة المعرفية التي يمكنك فيما بعد أن تبني عليها أي معرفة جديدة. تلك المحاور تتمثل في: التهيئة والاستعداد، آليات وأدوات القراءة الفعالة، وتطوير الذاكرة.

 

تلك بعض النصائح التي ساعدتني حتى لا انسى ما قرأت

 

أولا: التهيئة والاستعداد

 

علىك تهيئة نفسك والبيئة المحيطة بك لتجربة قراءة فعالة.

 

  • اختر مكانا مناسبا للقراءة: والمقصود بالمكان المناسب هو الذي يكون هادئا ومريحا وبعيدًا عن المشتات. كأن تجلس في غرفتك بعيدا عن من معك في البيت، أو في مكتبك، أو في الشرفة إن كانت توفر جوا هادئا. 

 

  • اختر وقتا مناسبا للقراءة: والمقصود بالوقت المناسب أي المناسب لك أنت. فالبعض يفضلون القراءة في الصباح الباكر، بينما يفضل البعض الآخر القراءة في جوف الليل.

 

  • هيئ جلسة مريحة وداعمة: فسريرك لا يمكن أن يكون أفضل مكانا للقراءة بهدف التعلم. يمكنك قراءة الروايات والشعر والقصص قبيل نومك بينما أنت ملتحف بغطائك الدافئ لتهيئتك للنوم ولكن لا يمكن لهذا الوضع أن يساعدك في تذكر ما قرأته. لذلك ينصح بالجلوس إلى طاولة أو مكتب مناسب يضعك في وضعية صحية ومريحة. حتى لا تقول كيف لي بعد سعات طويلة من التركيز والقراءة ان انسى ما قرأت.

 

  • جهز أدواتك: إذا كنت تنوي أن تقرأ بفعالية فمن المفيد حقاً أن تحضر بعض الأشياء إلى جانبك بينما تقرأ. كأن تجهز مجموعة من الأقلام والأوراق والعلامات المرجعية في متناول يدك. وسنتحدث بالتفصيل عن كيفية استخدام تلك الأدوات بعد قليل. كذلك، يجب عليك إحضار كل ما قد تحتاج إليه كالطعام والماء. كما ينصح بترك الهاتف المحمول في مكان بعيد عنك حتى تتجنب التشتيت. 

 

  • هيئ نفسك بدنيًا: حين تقرر أن تبدأ في القراءة، عليك أن تتأكد أنك لا تعاني من جوع أو تعب أو نقص نوم. فالقراءة تتطلب أن تكون قد حصلت قبلها على وجبة صحية، و قسط كاف من النوم.

 

  • هيئ نفسك ذهنيا: عليك أن تكون مهيئا لعملية القراءة وكل النصائح السابقة من شأنها أن تساعدك على تحقيق الاستعداد الذهني اللازم. بالإضافة إلى التركيز على القراءة وعدم مقاطعتها أو الإنشغال بأمور أخرى أثناءها. 

 

  • هيئ نفسك نفسيا: يمكنك استحضار حالة من الإستعداد النفسي للقراءة عن طريق القيام بما يلي؛

 

– حدد أهدافك من قراءة الكتاب الذي بين يديك. فتحديد الأهداف من شأنه أن يضعك في وضع الاستعداد لتلقي المعلومات في الكتاب بغية تحقيق تلك الأهداف المنشودة. يمكنك وضع الأهداف بالإجابة على سؤال “ما الذي أحتاجه من هذا الكتاب؟”

– جهز خطة زمنية منطقية لقراءة الكتاب. كتحديد إن قراءة كتاب تتطلب أربع جلسات، مدة كل منها ساعة واحدة.

– تخيل نفسك وقد أنهيت الكتاب وأضفت لحصيلتك المعلوماتية ما يساعدك على الإرتقاء في حياتك وعملك.

 

ثانيًا: آليات وأدوات القراءة الفعالة

 

بعد الانتهاء من مرحلة التهيئة والاستعداد، يتوجب عليك التسلح بعدد من الآليات والأدوات التي من شأنها رفع جودة عملية القراءة والفوز بالفائدة المرجوة. وإليك بيان تلك الأدوات والآليات في النقاط التالية:

 

قبل القراءة 

 

قبل الشروع في قراءة الكتاب، عليك أخذ نظرة سريعة على فهرس الكتاب والعناوين الرئيسية والجانبية في فصوله. ومن ثم اقض بضع دقائق في استخدام الأدوات التي ذكرناها مسبقا  لكتابة كل المعلومات التي تعرفها مسبقا عن موضوعات الكتاب.

هذه الخطوة من شأنها تهيئة عقلك للبدأ من نقطة أعلى من الصفر، حيث يلتفت المخ لأن ما هو بصدد تلقيه الآن من معلومات، له أساس وقاعدة موجودة لديه بالفعل. أيضا، رتب موضوعات الكتاب من حيث أهميتها بالنسبة لك في حال لم تكن الموضوعات تراتبية أو بمعنى آخر يترتب فهم كل موضوع منها على فهم الموضوع الذي يسبقه.

 

أثناء القراءة

 

 بعد الإطلاع بصورة سريعة على محتويات الكتاب، ينصح البعض بما يطلق عليه القراءة السريعة أو الأولية للكتاب كاملا. وهي قراءة تهدف للاطلاع على المحتوى الكامل للكتاب بصور سريعة لتمكين العقل من تكوين روابط بين موضوعات الكتاب المختلفة.

يمكنك القيام بذلك عن طريق قراءة العناوين بالإضافة لمقدمات وخواتيم الفقرات. وفي أثناء هذه المرحلة، يمكن الإستعانة بأوراق الملاحظات متكررة اللصق Sticky Notes. بعد ذلك، يمكنك البدء في قراءة الكتاب بتأني لإستيعاب المعلومات بشكل كامل.

ولكي تعزز من فعالية عملية القراءة ولكي لا تنسى ما قرأت، عليك إتباع آلية في غاية الأهمية؛ ألا وهي تدوين ملاحظاتك. ولتدوين الملاحظات طرق عديدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

 

  • التدوين في خريطة: وهي طريقة تقتضي رسم إطار به العنوان الرئيسي للفصل ثم أثناء القراءة تبدأ برسم إطارات متفرعة من الإطار الرئيسي لتدوين النقاط الفرعية. وتستمر عملية التفريع إلى أن تكون شبكة أو خريطة تمثل الفصل الذي قرأته كاملا.

 

  • التدوين في جدول: تكون هذه الطريقة نافعة في حال قراءة الكتب التي تحتوي على معلومات يمكن تصنيفها داخل جدول كالمقارنات والتقسيم بناءاً على تصنيف زمني أو نوعي.

 

  • طريقة التحديد: وهي طريقة تشبه عمل إطار موضوعي لما تقرأ. وتشبه في شكلها شكل قائمة محتويات الكتاب نفسها ولكن بشيء أكثر تفصيلا.

 

  • طريقة الخريطة الذهنية: وهي الطريقة الأكثر فعالية على الإطلاق في تدوين الملاحظات. ويمكنك تعلمها من مصادر كتبت خصيصا لشرحها والتفصيل في فوائدها وفعاليتها. وسيرد ذكر تلك المصادر في نهاية المقال. والخريطة الذهنية تعتمد على رسم ما يشبه الشبكة ذات الفروع المتعددة. وهي تشبه في تكوينها أعصاب وخلايا المخ البشري.ولرسمها نستخدم الكلمات المفتاحية والرموز التوضيحية، والأقلام الملونة التي تضفي عليها كفاءة بصرية عليا.
    وقد أثبتت هذه الطريقة فعاليتها وأصبح تطبيقها واستخدامها مربا به في المدارس والجامعات والمنشآت التعليمية بصفة عامة. ويرجع اختراع هذه الطريقة للعالم الأمريكي توني بوزان.

 

بعد القراءة

 

بعد الإنتهاء من قراءة كل قسم من أقسام الكتاب وقد دونت ملاحظاتك وتعليقاتك و تساؤلاتك بإحدى الطرق المذكورة أعلاه، يمكنك تعزيز تثبيت الملاحظات بكتابة ملخص مختصر أو واف لما قرأت والاحتفاظ به.

ولكي لا تقول “كيف لا انسى ما قرأت”، ما عليك سوى الرجوع لخرائطك وجداولك وملخصاتك من حين لآخر. وأفضل الأوقات للقيام بعملية المراجعة هي بعد الانتهاء من القراءة بساعة واحدة، ثم بعد مرور يوم كامل، ثم بعد أسبوع ثم بعد شهر وهكذا.

هذه المراجعات من شأنها نقل المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى. وبذلك يمكنك مقاومة الوقوع فريسة لمنحنى النسيان.

 

ثالثًا: تطوير الذاكرة

 

سبق وأن تحدثنا عن الإمكانيات الهائلة لذاكرة العقل البشري. ولكن علينا ألا ننسى أن العقل البشري، شأنه شأن أي جزء من أجزاء الإنسان، يحتاج للتدريب والتطوير المستمر. في واقع الأمر هذا أمر يطول شرحه والحديث عنه.

لذا سنحاول إدراج بعض النصائح التي تساعدك على الحفاظ على ذاكرتك في أفضل حالاتها معظم الوقت، مع الحرص على تدريبها  وتطويرها طوال الوقت. إليك هذه النصائح: 

 

  • قم بقراءة الكتب التي تتحدث عن الذاكرة البشرية وكيفية التعامل معها لضمان الحفاظ على كفاءتها وتطويرها واستغلال الطاقة القصوى لها. وهناك العديد من الكتب الجيدة في هذا المجال. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: 


كتب إنجليزية:
– Memory Rescue Daniel G. Amen
Limitless – Jim Kwik
Moonwalking with Einstein – Joshua Foe


كتب عربية:
– الذاكرة والتذكر – ابراهيم الفقي
– اتعلم تفتكر  – عمرو العزب 

 

  • مارس من وقت لآخر ألعاب الذاكرة التي من شأنها تحسين جودة الذاكرة وزيادة فعاليتها.

 

  • جرب الأنظمة المختلفة التي تساعد على الاحتفاظ بالمعلومات بطريقة يسهل تذكرها كنظام القصة ونظام الاختصارات ونظام القوائم.

 

  • أحرص على ألا تتوقف عن القراءة والتعلم لفترات طويلة. فقد يؤدي هذا لإصابة الذاكرة بنوع من الكسل، فتجد أن إستعادة نشاطها يتطلب وقتاً ومجهوداً إضافيًا.

 

  • عليك أن تتبنى أسلوب حياة صحي وذلك بتناول الأطعمة الصحية التي تقوي الذاكرة كالمكسرات والحبوب الكاملة. عليك أيضا أن تنظم أوقات نومك وتبحث عن سبل تحسين جودة النوم. وأخيراً عليك أن تمارس الرياضة البدنية إانتظام، فالنشاط الجسدي يحفز عمل العقل بكفاءة أعلى.

 

  • أبتعد عن الضغوط ومارس التأمل بصورة منتظمة لتفريغ جسدك من الشحنات السلبية التي تضعف كفاءة جسدك بشكل عام، وأمانات جسدك على وجه الخصوص. 

 

كل ما تريد معرفته لتجربة القراءة بدون الشعور بالملل

 

بعد أن استعرضنا المحاور الثلاث الرئيسية لتعزيز تجربة القراءة الفعالة والتي ستساعدك ان لا تتسأل مجدداً ماذا افعل لكي لا انسى ما قرأت. وجب علينا أن نؤكد أن أهم ما تحتاجه لخوض رحلة القراءة هو الاستمتاع. فإن لم تكن القراءة نشاطا ممتعا يساعدك على تخفيف ضغوط وأعباء الحياة التي تتكالب عليك من كل اتجاه، فما فائدتها إذا؟

ولتحقيق المتعة المنشودة من القراءة، احرص على التنويع فيم تقرأ بين القراءات الأدبية والقراءات المعلوماتية والفكرية. فالإقتصار على نوع واحد طوال الوقت قد يصيبك بالملل ويفضي إلى نتائج غير مرجوة، إما بتسطيح أفكارك أو ضغط عقلك بالمعلومات الفائضة. وبالطبع لا يرغب أي منا في إحدى العاقبتين.

يمكنك الاستفاضة في قراءة عن موضوع المقال من المصادر التي اعتمدت عليها لكتابة المقال في المقام الأول لذلك سأرشح لك عددا من الكتب النافعة التي تساعدك على تحسين جودة القراءة وضمان انك لن تتسأل مرة اخرى عن “كيف لا انسى ما قرأت” وألا تضيع أوقات القراءة دون استفادة حقيقية:

 

  1. اتعلم تتعلم (عمرو العزب)
  2. خرائط العقل (توني بوزان)
  3. استخدم ذاكرتك (توني بوزان)
  4. القراءة الذكية (ساجد العبدلي)
  5. القراءة المثمرة (عبد الكريم بكار)

 

تعرف علي افضل الكتب للقراءة للمبتدئين

شيماء علي الصاوي
شيماء علي الصاوي

تخرجت من كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، جامعة القاهرة. قارئة وكاتبة ومترجمة ومعلمة وخبيرة وإذاعية. شغوفة بالكلمة المقروءة والمكتوبة. تأسرها السطور وتسافر عبر صفحات الكتب.

شارك

حمّل التطبيق

تحميل التطبيق

الرئيسية
حسابي
كتب
كُتاب
تحديات
متجر