يبدو فوز أشرف العشماوي بجائزة الشيخ زايد للآداب لسنة 2026، عن رواياته الثلاث القصيرة “مواليد حديقة الحيوان” بمثابة رسالة تشجيع وتحفيز وطمأنة للمُبدعين الصغار والكبار على حد سواء. وهي رسالة مفادها أن هناك ثمار شهية، وتقدير مستحق لجلسات قصم الظهر،
وشحذ الذهن، والاستغراق في الكتابة، ومكابدة أوجاعها النفسية والمعنوية، والسعي الدائم للتجويد والتحسين والإتقان. إنه تأكيد واضح على أن الله يُكافئ مَن يُهلك ذاته، ويحشد طاقاته، ويطور أدواته للاقتراب من مستوى الكمال في نص ابداعي يُسحر ويُدهش كُل مَن يُجربه. ولقد ذكرّتني المثقفة المخضرمة السفيرة نيفين سميكة ببيت شعري لافت مناسب للحدث يقول “لا تحسب المجد تمرا أنت آكله/ لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا” لتخبرني أنه لشاعر قديم شبه مجهول
يُدعى حوط بن رئاب الأسدي.ويعنى البيت أن الفوز بالمجد ليس ضربة حظ، أو مصادفة قدرية، وإنما هو رد فعل لفعل شاق ومُضنِ وطويل يتعب فيه الساعي، ويكد ويجتهد ويذوق “الصبر” وهو المر في سبيل شىء وحيد هو الإجادة.
وهذا ما لمسناه جميعا في تجربة العشماوي التي تمثل نموذجا لابداع تطور بشكل لافت على مر الزمن بصبر وأناة وتواضع يستحق كل تقدير.
فمّن يقرأ نص البداية للرجل وهي رواية “زمن الضباع” يدرك أن الروائي استوعب بهدوء شديد، ودون غطرسة أو استعلاء آراء وانطباعات المُتلقين واستفاد من كل ملاحظاتهم وآرائهم وانتقاداتهم دون جلبة أو انفعال أو الخضوع
لعواصف الاحباط.
لقد بدا واضحا لكل متابع للروائي الفائز، وأنا منهم أنه نجح في تطوير شخوص نصوصه بدرجة قوية، تجعلها مقاربة للواقع، كما لو كانت تسير أمام عيوننا، وتتحدث بألستنا، وتفكر بعقولنا، وتحيا في مُجتمعنا.
فانتصار الروائي لواقعه ومجتمعه يجعله حقيقيا وقريبا ومُصدقا ومقبولا، ويمنحه مرونة الحركة والقدرة على ممارسة التجريب بكل حرية واقتدار.
أتذكر جيدا أنني استغربت بعض وقائع رواية “تويا” وهي من الروايات المبكرة للعشماوي، فرغم نجاحها ورواجها وقت صدورها، ورغم وصولها للقائمة الطويلة لجائزة البوكر عام 2010 إلا أنني كنت أجد في رسم شخصياتها نقصا يدفعني لعدم تصديق إمكانية حدوثها،
وهو ما جعلني أشعر أنها نص خيالي لا يُمكن أن يحدث.غير أن مسيرة ابداع الروائي شعدت تطورات واضحة في أعماله التالية “البارمان”، “المرشد”، ثُم “كلاب الراعي” فنجح في مد خيوط تشويق دقيقة ومتينة في كل نص ربطت
القارىء بما يكتب بشغف حقيقي، وربما مثلت “سيدة الزمالك” بالنسبة لي نقلة حقيقية في رسم شخوصه،
والتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم. واقتنعت أكثر بإمكانية سرد حكايات مُدهشة وعجيبة بصورة واقعية في نصه الرائع “بيت القبطية” ثُم أسعدني وأمتعني نضوج موهبته وتعاظم إمكاناته وحيله الفنية في رواياته التالية “صالة أورفانيللي”، ” السرعة القصوى صفر”، و”مواليد حديقة الحيوان” و”السيمفونية الأخيرة”.من هُنا يُمكن القول أن أحد أسباب السعادة اللافتة لفوز أشرف العشماوي تحديدا بالجائزة هو استشعار كثير من القراء والمتابعين والكتاب أنه فوز مستحق،
في محله، أي صادف أهله كما يقولون لأن الرجل عمل وعمل، وكتب وبحث، وجرّب وحاول، وفكر وانشغل. كان كمّن يدق مسمارا لتثبيت بروازه في حائط أسمنتي صلب، بصبر شديد، وأناة، ودون احباط يواصل الدق كل يوم وهو على يقين من غرس المسمار حتى رأسه في الحائط الصلب.
فضلا عن ذلك، يمتلك أشرف، رغم إنتمائه لمهنة ذات مكانة عظيمة وهي القضاء لشعبية كاسحة بين القراء، تقوم على تواضع حقيقي وبساطة غير مفتعلة في التحاور مع كافة القراء دون تأفف أو سئم، راسما ابتسامة تفاؤل وأمل ومحبة ورقي إنساني.
والله أعلم.