تظل الكتابة حلما لأولئك الذين لم يُجربوها، كفرصة سطوع ودرب تحقق. أن توجه وترسم وتؤثر فيمّن لا تعرفهم، فتلك أمنية غالية لمّن يطلّون على الكُتب: روايات، قصص، مسرحيات، أفكار، وبحوث، واطروحات فلسفية.
لذا ليس غريبا أن يتلقى كُتاب مشاهير في كل مكان طلبات بالنصيحة للتمّيز والتفوق في الكتابة، وهذا ما التفتت إليه مدونات عديدة حاولت تتبع نصائح مَن يكتبون لمّن هُم على الدرجات الأولى للكتابة، فحاولت نقل التجارب والخبرات وتلخيص الوصايا للمبتدئين أو الراغبين والحالمين بأن يُصبحوا كُتابا.
ومن هذه المدونات كتاب لطيف أعدته سارة حامد حواس الأكاديمية المتخصصة في اللغة الإنجليزية والشاعرة والمترجمة في كتاب صدر مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية بعنوان “أسرار الكتابة”. حوى الكتاب خبرات ووصايا سبعة عشر مبدعا من مختلف بلاد الأرض، ترجمتها وجمعتها ككتاب إرشادي للأجيال الجديدة الحالمة بالسطوع روائيا.
وهذه الوصايا أشبه برد جميل ممَن نجحوا وسطعوا في سبيل نفع الآخرين ما يُمثل قيمة عظيمة يدرك حلاوتها مَن يؤدها بحب واقتناع. وهي تفتح أبواب الأمل وتُحفز صغار المبدعين لمواصلة السعي والتعلم والإجادة. ومما يُطمئن مثلا في كتاب سارة حواس، قول الروائي الأمريكي ويليام فوكنر (1897-1962) بأن الروائي الجيد هو الذي يسعى إلى أبعد مما يظن. إنه يقول عبارة ساحرة في ذلك وهي ” لا تتعب نفسك بمحاولة أن تكون أفضل من معاصريك أو أسلافك، بل اسع لأن تكون أفضل من نفسك”.
وإذا كُنا نسأل كثيرا عما يدفع الكُتاب إلى الكتابة، فإن الكاتبة الإنجليزية درويس ليسينج (1919-2013)تلخص الأمر في وصية بليغة تقول “يجب أن تكتب أولا وقبل كل شىءمن أجل نفسك”. وهي تكرر كثيرا نصيحة لكل مَن يسألها تقول “تعلم الاستقلال الداخلي”.
وينصح جابريال غارسيا ماركيز (1927-2014) الشباب المقبلين على الكتابة نصيحة بسيطة وهي أن يكتب عن شىء عاشه، رآه، مر به. فالاختراع ليس هو الابداع كما يظن البعض. إن الشاعر بابلو نيرودا يقول في إحدى قصائده” فليحمني الله من الاختراع عندما أغني”.
أما الحقيقة الواضحة التي يُقدمها ماريو برجاس يوسا (1936-2025) إلى الروائيين اليافعين فهي أنه لا وجود يوجد لروائيين موهوبين بالفطرة، فجيمع الروائيين العظماء كانوا في البداية كتابا متدربين، صقلت مواعبهم بالاجتهاد والاصرار والاقتناع.
ويتفق كُل صناع السرد على استقلال الفن، وضرورة ألا يوظف أو يُستخدم لأغراض سياسية أو دينية، فالروائية الساحرة إيزابيل الليندي (1942) تقول إن الروايات السيئة هي المفرطة في العاطفة، والوعظ، والمتخمة بالرسائل الأخلاقية المباشرة، والتي تغلق كل شىء بإحكام شديد. وبشكل مقارب يقول الحكاء التركي أورهان باموق (1952) “لا ينبغي أن ترتكز الروايات على الغايات العظيمة أو السرديات الشاملة، فغالبا ما تكون في أفضل حالاتها عندما تتبنى العشوائية”.